السيد عباس علي الموسوي
43
شرح نهج البلاغة
( ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك ) هذا بيان أن الدنيا لم تغر الإنسان بل هو الذي اغتر بها وذلك بذكر نسبته ضد الاغترار إليها وهو النصيحة له بمكاشفته بالمواعظ ، فإن الدنيا قد انكشفت له بالمواعظ البليغة من تقلباتها وتصرفاتها وقضائها على الآباء والأجداد والأسلاف وكيف ترمي في كل يوم بسهم المنية فتصيب به من تريد . . . إنها بسرائها وضرائها وبؤسها وشقائها تعلم هذا الإنسان بحقيقتها وتنبهه إلى فعلها . . . إنها تعلمه بمنطق العدل والصدق إنها لا تغره لأن من يغر هو الذي يخفي فعله ويموهه على الناس قاصدا اضلالهم وانحرافهم وجرّهم إليه أما من يكشف أعماله ويظهر ما يبطن ويحذّر الناس من فعله وعمله فلا يغر الناس أبدا ومسيرة الدنيا مع هذا الإنسان بهذا المستوى وعلى هذه الصورة . . . ثم استشهد عليه السلام بأن الدنيا بصدقها بما تعدك من حيث نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك . . فإن الدنيا قالت لهذا الإنسان بلسان الحال سأرميك بالمصائب والبلاء فمن مرض إلى هم إلى غم إلى نقص في القوة وهكذا وهي قد صدقت في كل ذلك ونجد الحال أمام أعيننا في أنفسنا وفيمن حولنا وهي بهذا ترفع عن نفسها الكذب وأن تكون هي التي تغر هذا الإنسان . . . ( ولرب ناصح لها عندك متهم وصادق من خبرها مكذب ) أنت تتهم ما ينصحك من عبرها وعظاتها تتهمه في نصيحته ، كما إنك تكذّب من يحدثك عنها وينقل إليك أخبارها وفجائعها وهو صادق في أخباره حيث أن أخبارها وأحداثها صادقة نراها رؤية العين . . . ( ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك ) هذا بيان لصدق الدنيا مع هذا الإنسان ونصيحتها له . . إنك تعرف ذلك إذا مررت بالديار التي أتى عليها الزمن فاندرست ولم يبق منها إلا الأثر يحكي عنها وينطق بأنها كانت والربوع التي خلت من سكانها وأقفرت من نزّالها فإن العاقل إذا رأى ذلك رأى الموعظة في أبلغ ما يكون والشفقة في أرق معانيها والبخل بهذا الإنسان أن يصيبه أذى فيها لأن كل هذه الآثار والمواقع تقول لهذا الإنسان خذ العبرة والدرس وتأهب للمسير والسفر الطويل وإن الدنيا سوف تأتي عليك كما أتت على من سبقك وتقدم عليك وهل هناك أرق وأشفق ممن يدلك على موارد العطب لتجتنبها وتترك الإقدام عليها والدخول فيها كلا ثم ألف كلا . . . ( ولنعم دار من لم يرض بها دارا ومحل من لم يوطنها محلا وإن السعداء بالدنيا غدا